الشنقيطي

34

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

صراطهم . فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم . وذلك في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين . وقد بين صلّى اللّه عليه وسلم أن أبا بكر رضي اللّه عنه من الصديقين « 1 » ، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم اللّه عليهم . . الذين أمرنا اللّه أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه على الصراط المستقيم ، وأن إمامته حق . الثاني : قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم اللّه عليهم . وقد صرح تعالى بأن مريم ابنة عمران صديقة في قوله : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [ المائدة : 75 ] الآية - وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] أو لا ؟ الجواب : أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة ، وهي : هل ما في القرآن العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل ؟ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك . وعليه : فمريم داخلة في الآية واحتج أهل هذا القول بأمرين : الأول : إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع . والثاني : ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها ، كقوله تعالى في مريم نفسها : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 ) [ التحريم : 12 ] ، وقوله في امرأة العزيز : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) [ يوسف : 29 ] ، وقوله في بلقيس : وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ ( 43 ) [ النمل : 43 ] ، وقوله فيما كالجمع المذكر السالم : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً [ البقرة : 38 ] الآية - فإنه تدخل فيه حواء إجماعا . وذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل . واستدلوا على ذلك بآيات كقوله : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى قوله : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ( 35 ) [ الأحزاب : 35 ] وقوله تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ [ النور : 30 ] ، ثم قال : وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [ النور : 31 ] الآية - فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن . وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع . وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق . وعن الآيات بأن دخول الإناث فيها إنما علم من قرينة السياق ودلالة

--> ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في فضائل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم حديث 3675 ، ومناقب عمر بن الخطاب حديث 3686 ، ومناقب عثمان بن عفان حديث 3699 ، وأبو داود في السنة حديث 4652 ، والترمذي في المناقب حديث 3697 .